|
قرأت العدد
الأول (1) من مجلد ألف ياء( نيسان 2001) الصادر عن دار الزمان في
لندن فانتبهت إلى كثرة من كتب حول المرحوم الشاعر عبد الوهاب
البياتي من أصدقائه وعارفيه. ثم انتبهت إلى بعض الأخطاء التي
وقعت فيها الشاعرة لميعة عباس عمارة (2) في بعض ما ذكرت عن
البياتي زميلها في دار المعلمين العالية. بين المديح المفرط
والتجريح المتسرع ارتأيت أن أدلو بدلوي وأثبت ما أعرف شخصيا عن
البياتي من خلال لقاءات نادرة معه ، علما أني ما كنت زميل دراسة
له ولا أحد جماعات شلل المقاهي التي كان المرحوم يرتادها ويهواها
حد الإدمان المرضي، ولا كنا يوما أصدقاء ود ومجاملات.
لقد تأثرت
بشكل خاص بما كتبه السيدان علي الشلاه (3) ومحمد الجزائري (4) ،
وها اني أسوق لهما ولباقي من كتب عن البياتي من الأخوات والأخوة
الكرام أشياء ليست معروفة جيدا عن الشاعر الراحل. فللقمر وجه ثان
مظلم لا نراه... كما أن لكل إنسان وجه آخر لا يستطيع الآخرون
رؤيته.
1- في
العراق
أولا : خلال
العام الدراسي 1952 - 1953 وفي احدى حصص درس اللغة الأنجليزية
لطلبة الخامس الأعدادي فاجأنا مدرس اللغة الأستاذ عبد القادر
سعيد البيطار بقراءة أشعار في كتاب باللغة العربية فأظهر بعض
الإعجاب ببعض قصائد هذا الكتاب حتى أنه - ما زلت أتذكر جيدا -
أعرب عن دهشته كيف يقول شخص بالغ الفقر وصعلوك ( مطيرجي ) مثل
هذا الشعر الجيد. سأله بعضنا عن اسم الكتاب والشاعر فقال: ديوان
ملائكة وشياطين لعبد الوهاب البياتي، صديقي وزميلي في دار
المعلمين العالية .
ثانيا : في
عام 1954 قرأت البياتي لأول مرة بعد أن نشرت له مجلة الثقافة
الجديدة في هذا العام بعض القصائد التي يمجد فيها ثورة الشعب
الفيتنامي
وقواته
المقاتلة ( الفيت مين ) التي انتصرت في معركة ( ديان بيان فو)
انتصارا حاسما على القوات الفرنسية . قبل هذا العام كنا نقرأ شعر
الجواهري السياسي الذي بلغ الأوج في وبعد وثبة 1948 التي أسقطت
حكومة صالح جبر. كما كنا نقرأ شعر نزار قباني الغزلي والرومانسي
الذي كان يلاقي هوى في نفوس الشباب . وكنا نقرأ بلند الحيدري
وحسين مردان في ديوانيه رجل الضباب وقصائد عارية . وكانت قصص
احسان عبد القدوس معروفة فضلا عن نتاجات كتاب عراقيين وعرب آخرين
كنجيب محفوظ والعقاد وتوفيق الحكيم وسلامة موسى وطه حسين ثم
اشتهر خالد محمد خالد في كتابه ( هذا ... أو الطوفان). ثم غوركي
وتولستوي وسواهما من الكتاب الروس .
في نفس هذا
العام 1954 صدر كتاب البياتي ( أباريق مهشمة ) من منشورات
الثقافة الجديدة على ما أذكر فضحك الناس كثيرا من هذا العنوان
. اقتنيت نسخة منه من المكتبات وما كان ممنوعا تداوله ،
خلافا لما يدعيه البياتي ويتخذ من صديقه حسب الشيخ جعفر شاهدا
على ذلك .
أغلقت مجلة (
الثقافة الجديدة ) بعد صدور عددين منها فقط . أتذكر من بين
محرريها صلاح خالص وصفاء الحافظ وشاكر خصباك وصاحب حداد.
2- في
موسكو ( 1962 - 1964 )
التحقت آواخر
شهر آب ( أغسطس ) 1962 بالزمالة الممنوحة لي للدراسة في جامعة
موسكو . التقيت والبياتي لأول مرة في خريف 1962 على هامش مؤتمر
رابطة الطلبة العراقيين في الأتحاد السوفياتي يومذاك الذي انعقد
في احدى قاعات جامعة موسكو اذ كان البياتي أحد المدعوين لحضور
جلسات ذلك المؤتمر. سلمت عليه وأبلغته رسالة شفوية حملتها معي له
من صديقه الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد الذي كان زميلا لي في
التعليم الثانوي في مدينة الحلة ، جاءها بعد اقصائه من منصب
معاون مدير معهد الفنون الجميلة في بغداد اثر قراءته في احدى
أمسيات اتحاد الأدباء العراقيين في بغداد ونشره قصيدة (( يا خال
عوف عجيبات ليالينا )) يجاري فيها قصيدة الجواهري المعروفة (( يا
أم عوف عجيبات ليالينا )) وكان فيها نقدا واضحا لما آلت اليه
الأمور آواخر سني عبد الكريم قاسم . لقد طلب عبد الرزاق عبد
الواحد من البياتي أن يتوسط لدى الجهات المختصة في موسكو لطبع
ديوانه الشعري الذي ما كان راضيا عن طباعته في بغداد لكثرة ما
وقع فيه من أخطاء مطبعية . اعتذر البياتي وقال لي بالحرف الواحد
(( كيف أساعده في هذا الأمر وأنا نفسي أعاني من صعوبة طبع كتبي
هنا ؟؟ )) .
يوم أن كان
البياتي يشغل منصب معاون الملحق الثقافي العراقي في موسكو، تم
استدعاؤه في عام 1961 الى بغداد من قبل وزارة المعارف (( يدعي
البياتي أنه ترك العمل ... (5) )) غير أنه رفض العودة الى بغداد
لأنه وحسب حاسة الشم القوية لديه عرف أن الوزارة سوف تنسبه
للتدريس في احدى مدارس بغداد الثانوية . وقيل في حينه أن سبب
استدعائه هو كثرة الشكاوى التي رفعها بعض الطلبة العراقيين ضده
بسبب قلة الوقت الذي يقضيه في دائرته وكثرة ما يصرف من ألأوقات
في مقاهي مدينة موسكو ولا سيما بارات فندق ومطعم موسكو الضخم في
قلب المدينة .
فصل من
وظيفته في موسكو أو أعتبر مستقيلا لأنه لم يمتثل لأمر وزارة
المعارف وفضل البقاء في موسكو اذ كان شديد الحماس لناظم حكمت
ولنين والساحة الحمراء وماياكوفسكي وألمانيا الديمقراطية بعد
تحوله الكامل من المرحلة الرومانسية الى المرحلة الأشتراكية -
الأممية .
أنا أعرف -
وقد كنت وصلت موسكو حديثا قادما من أتون التطاحن السياسي الفتاك
- أن السبب الرئيس لسحب الوظيفة من البياتي هو طغيان مد نفوذ (
الجبهة القومية المتحدة ) ، جبهة البعث والقوميين وفلول العهد
الملكي في مجال التعليم بشكل خاص وبعد فوز قائمة الجبهة بالأرهاب
والأغتيالات في انتخابات نقابة المعلمين للعامين 1961 و 1962 (
وكنت أنا من بين ضحاياها في كلا هذين العامين ) . ما كانت هذه
الجبهة مرتاحة من البياتي وما كان البعثيون خاصة وقد قال فيهم
مرة (( سنجعل من جماجمهم منافض للسجائر )) وكانوا قد اتخذوا من
السياب وأشعاره ( ديوان أنشودة المطر ) رمزا آخر لتحدي اليسار
العراقي وسلطة عبد الكريم قاسم ... عدوهم الألد . لقد لعب
الدكتور محمد المشاط ، مدير البعثات في وزارة المعارف يومذاك
دورا كبيرا في تحريض الطلبة العراقيين الدراسين في جامعات ومعاهد
الأقطار الأشتراكية على ترك مقاعد دراستهم والرجوع الى العراق
متعهدا بتوفير مقاعد دراسية لهم في الجامعات الأمريكية وسواها من
جامعات الغرب . ولقد نجحت مساعيه فعلا ولكن بدرجة ضئيلة اذ
استجاب لدعواته أربعون طالبا عراقيا فقط بعد انقلاب شباط 1963 من
مجموع الدارسين في جامعات ومعاهد الأتحاد السوفياتي يومذاك
والبالغين أكثر من ألف . غادر هؤلاء الأربعون طالبا الى العراق
وبعد حين تم ارسالهم الى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا. ومن
أبرز هؤلاء هو السيد حسين الشهرستاني ( الدكتور في الكيمياء فيما
بعد ) ثم السيد مهدي الشيخ علي الذي عاد ثانية بعد فترة وجيزة
الى موسكو ملحقا ثقافيا وطالبا لأكمال متطلبات دراسته على
الدكتوراه في الهندسة . وبعد حين التحق به السيد عبد الستار
الدوري معاونا له . الطريف أن السيد مهدي الشيخ علي البعثي
العروبي والفاشي المتطرف وجد أعماما له في احدى جمهوريات الأتحاد
السوفياتي المسلمة ( داغستان أو أذربايجان ) . وعلى النقيض منه ،
كان الدوري قريبا جدا من الطلبة العراقيين وودودا لهم وذا خلق
رفيع . |